قالت أهداف سويف، كاتبة مصرية ومؤلفة كتاب «ميزيتيرا: شظايا من الأرضية المشتركة»، إن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الأسبوع الماضي نشر مقطع فيديو مولدًا بالذكاء الاصطناعي يظهر مجموعة من الأسرى الفلسطينيين البدناء على حزام ناقل، وهم يحلمون بالطعام والتعليم، قبل أن يفرقع بن غفير فقاعات أحلامهم فوق رؤوسهم، ثم يخرج الأسرى من السجن هزالى وهم يبكون.


 ويعمل بن غفير على إنشاء موقع لتنفيذ الإعدامات بحق الأسرى الفلسطينيين مزود بمقاعد للمتفرجين، كما ظهر مؤخرًا في سجن الدامون شمال إسرائيل وسخر من معتقلات اشتكين من سوء ظروف الاحتجاز. ويحفر كذلك خندقًا حول سجن أمني جديد ويخطط لإدخال تماسيح للقيام بدوريات فيه. ويحظى كل ذلك بموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما يستند القانون الذي دفع بن غفير إلى إقراره، والخاص بفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين الذين تصنفهم المحاكم العسكرية إرهابيين وتدينهم بارتكاب هجمات مميتة، إلى دعم شعبي.


ويشير مقالها الذي نشرته الجارديان إلى أنه في وقت ما من عام 2017، شعر كثير من الفلسطينيين ومناصريهم في وسائل الإعلام العالمية بحدوث تغير. فلم تعد المقالات التي تتناول فلسطين تستقطب رسائل الكراهية التي اعتادوا عليها، كما لم تعد الفعاليات الداعمة للحقوق الفلسطينية تواجه القدر نفسه من الاستهجان. وبدا أن أعدادًا متزايدة من الناس لم تعد تقتنع بالصورة التي دأبت إسرائيل وأنصارها على ترسيخها، باعتبارها حاملة «القيم الغربية» في الشرق الأوسط، وموطن «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، ودولة لا تتحرك إلا دفاعًا عن النفس، بينما كانت تهاجم غزة بصورة متكررة وتواصل توسيع مستوطناتها غير القانونية في الضفة الغربية.


وكان الاعتقاد السائد على نطاق واسع أن اطلاع عدد كافٍ من الناس في العالم الديمقراطي الغربي على حقيقة ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين سيدفعهم إلى الضغط على حكوماتهم، ومن ثم تُجبر إسرائيل على احترام قواعد القانون الدولي. وكان يُفترض أن يولد في نهاية المطاف واقع يعيش فيه اليهود والمسلمون والمسيحيون على قدم المساواة ضمن نظام سياسي ما، يكون جيدًا ومليئًا بالعيوب مثل غيره من الأنظمة. وظلت جنوب أفريقيا المثال الذي يُستشهد به دائمًا، إذ لعب تصاعد الضغط الدولي على مدى عقود دورًا حاسمًا في تغيير الوضع هناك.


لكن ما بدا وكأنه انتصار للحجة الأخلاقية والعقلانية قابله تسارع في عمليات الاحتلال، وزيادة في وتيرة هجمات المستوطنين في الضفة الغربية ووقاحتها، إلى جانب تصاعد هجمات جيش الدفاع الإسرائيلي على غزة.

 


غزة تكشف حدود الرهان على الضغط الأخلاقي الدولي


جاءت الأعوام الثلاثة الماضية كتطور منطقي لهذا المسار. فبعد هجمات 7 أكتوبر 2023، صعّدت إسرائيل عمليات قتل الفلسطينيين وإصابتهم وتهجيرهم إلى مستوى تصفه الكاتبة بأنه إبادة جماعية موثقة. ويقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنه ملتزم بالتطهير العرقي في غزة، فيما تفاخر أحد مستوطني الضفة الغربية أمام هيئة الإذاعة البريطانية بأن حياة يهودي واحد تساوي حياة 10 ملايين فلسطيني.


وتعج وسائل التواصل الاجتماعي بإسرائيليين، من محللين يظهرون في المناظرات الإخبارية التلفزيونية إلى جنود في جيش الدفاع الإسرائيلي، يصرحون بالأقوال ويمارسون الأفعال الضرورية لتحقيق هدف إقامة فلسطين خالية من الفلسطينيين.


ومع أن الناس في أنحاء العالم باتوا يعرفون حقيقة ما يحدث في فلسطين ويرفضونه مرارًا وبقوة، تواصل ديمقراطيات غربية عديدة إرسال الأسلحة وتوفير المعلومات الاستخباراتية لإسرائيل، حتى في ظل ما تصفه الكاتبة بأنه إبادة جماعية.


ويسخر «مجلس السلام» التابع للرئيس الأمريكي من الفلسطينيين، بينما تزيل مئات الشاحنات الإسرائيلية الأنقاض من غزة، ومعها الأدلة على جرائم الحرب. كما تهاجم الولايات المتحدة مؤسسات دولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، التي تسعى إلى توفير قدر من العدالة للفلسطينيين.


ولقمع الاحتجاجات المستمرة التي يشارك فيها مئات الآلاف من مواطنيها، تفرط الديمقراطيات الغربية في استخدام أنظمتها القضائية، وتهاجم مؤسساتها التعليمية، وتقوض حرياتها الديمقراطية. وقد أعلنت بعض الدول، في وقت متأخر، فرض عقوبات محدودة على المستوطنات الإسرائيلية، وهي مستوطنات غير قانونية كان ينبغي فرض العقوبات عليها منذ سنوات.


وفي عام 2014، شاركت الكاتبة في هيئة محلفين تابعة لـ«محكمة راسل بشأن فلسطين». وكتبت في مقدمة التقرير، الذي صدر بعد الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة خلال ست سنوات: «إذا لم تكن إبادة جماعية، فإن الإبادة الجماعية ليست بعيدة». واليوم تتساءل عما إذا كانت الإبادة الجماعية لا تمثل أيضًا مقدمة لما هو أكثر خطورة.

 


الغرب وإسرائيل.. تعاون طويل يتجاوز الحرب على غزة


إذا لم تكن الإبادة الجماعية مفاجئة، فإن حقيقة عدم نفور القوى الاستعمارية القديمة منها ليست مفاجئة كذلك. فعلى امتداد تاريخها، تعاونت دول غربية لعقود مع إسرائيل في إنتاج الأسلحة وتطوير تقنيات الاستخبارات والمراقبة. كما سعت الدول الغربية إلى الحصول على المشورة والتدريب الإسرائيليين في مكافحة الإرهاب والاستجواب وتقنيات السيطرة على السكان المدنيين.


وكانت إحدى نقاط التسويق الرئيسية للأسلحة الإسرائيلية أنها «جُرّبت واختُبرت» بالفعل.


والآن، بينما تُبث الإبادة التي ترتكبها إسرائيل مباشرة عبر الإنترنت، تراقب مؤسسات الحكم وتتيح وتحمي وتساعد في ترتيب المشهد وإزالة آثاره. وربما نشهد أمام أعيننا عملية بحث وتطوير، أو مخططًا، أو نموذجًا، أو مثالًا قيد الإنشاء.


فنحن نعيش بالفعل في عالم يُجادل فيه البعض بأن بعض السكان أصبحوا فائضين عن الحاجة. ويعيش بعض هؤلاء في مناطق تمثل حلمًا لمطوري العقارات.


وهذه الحرب لا تتعلق بالفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، بل بالأيديولوجيات القائمة على التفوق والهيمنة، التي تهدد شعوب العالم ومجتمعاته المدنية وما تبقى من مؤسساته الدولية.

 


الفلسطينيون يقفون في مواجهة عالم يعاد تشكيله


في الوقت الراهن، يقف الفلسطينيون في الخطوط الأمامية؛ هم الذين يُقتلون ويُصابون ويُعذبون ويُهجّرون. لكن الفلسطينيين يقفون أيضًا بيننا جميعًا وبين عالم يُعاد تشكيله على صورة إسرائيل.


وليس المقصود بذلك أن ما يحدث في غزة يمثل مجرد أزمة إقليمية محدودة، بل إن استمرار هذا المسار، بدعم سياسي وعسكري ودبلوماسي من قوى دولية كبرى، يطرح سؤالًا أوسع بشأن مستقبل النظام الدولي والقواعد التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول والشعوب.


فإذا كانت الجرائم والانتهاكات يمكن أن تُرتكب على مرأى العالم، بينما تواصل القوى الكبرى تسليح مرتكبيها وحمايتهم سياسيًا، فإن الخطر لا يقتصر على الفلسطينيين وحدهم. بل قد تتحول الأدوات والخبرات والممارسات التي تُختبر في غزة إلى نموذج يمكن تكراره في أماكن أخرى، ضد شعوب أخرى تُصنف على أنها أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للحماية.


ولهذا، ترى سويف أن المعركة لا تدور فقط حول مستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما حول نوع العالم الذي سيخرج من هذه الحرب، وما إذا كان المجتمع الدولي سيحافظ على ما تبقى من قواعده ومؤسساته، أم سيسمح بإعادة تشكيلها وفق منطق التفوق والهيمنة.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/sep/11/gaza-horror-global-powers-support-blueprint-palestinians-israel